فضيحة واينستين.. زلزال السينما والسياسة بالغرب

حسام الدين محمد

ما الذي حوّل فضيحة المنتج الأميركي الشهير هارفي واينستين إلى ظاهرة عالمية يشارك فيها مئات الآلاف وتدفع مئات النساء إلى فتح صناديق الأسرار السوداء لأركان السياسة والمال والنفوذ، في الولايات المتحدة وأوروبا، الذين يستغلون مواقعهم ومناصبهم للقيام بانتهاكات وتحرشات جنسية ضد النساء، ولماذا اقتصرت الظاهرة على كونها مجرد موضوع للنقاش، لا المحاسبة أو الاتهام المباشر، في مجتمعاتنا العربية؟

أكّدت حادثة واينستين اتجاها راسخا على قدرة أصحاب السلطات على استخدام نفوذهم لابتزاز النساء الواقعات تحت سطوتهم لكنّها، وللمرة الأولى، نقلتها إلى طور جديد تكْسر فيه مئات النساء الشهيرات وغير الشهيرات، ومن دون تردد، جدران الصمت والخوف ويحوّلن ما حصل معهن من حالات اغتصاب واعتداء وانتهاك إلى حراك عالميّ صاخب ومؤثر.

حدث قبل ذلك أن تعرّض رجال معروفون، كالممثل بيل كوسبي، للمحاكمة والتشهير، لكن الاتهامات كانت أحيانا ترتدّ على النساء، كما حصل مع من اتهمن الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ويضيع الاتهام في ضجيج السياسة وملابساتها، بل كان الأمر في بعض الأحيان، مناط تواطؤ معلن، كما هو الأمر مع المخرج رومان بولانسكي المطارد دوليا بتهمة ممارسة الجنس مع فتاة قاصرة عام 1977، وهو أمر لم يمنع من حصوله على جائزة أوسكار عام 2003، وكما هو شأن الممثل أرنولد شوارنيغر الذي ما زالت شهرته قادرة على حجب فضيحة علاقته مع أحد العاملات في منزله، التي أنجب منها طفلا.

أسئلة حارقة
لعلّ ما ميّز ظاهرة واينستين أن وقائعها جرت بين ممثلات شهيرات (مثل أنجيلينا جولي وغوينيث بالترو) مع منتج كان يعد من أخطر شخصيّات هوليوود وأكثرها تأثيراً على مدى عقود، وتضرب تفاصيل هذه الوقائع على وتر بشريّ حسّاس لأنها تتعلّق بشخصيات ذات أثر هائل على عشرات الملايين (وربما مئات الملايين) من المتابعين للأفلام السينمائية والمبهورين بعوالمها وحكاياتها وأيقوناتها.

انفجار هذا الحدث وتفاعلات آثاره في كل مكان، بالشكل المفاجئ والحادّ والجريء الذي شهده العالم، يدفعنا نحو سؤال ممضّ: لماذا سكت كل هؤلاء عن جرائم اغتصاب وابتزاز وتحرش وانتهاكات مضى على بعضها عشرات السنين، ثم لماذا اندفع عدد كبير منهن (فالأغلب أن هناك ممثلات لا يردن نبش الماضي) إلى سرد تلك الذكريات القاسية أو المحرجة، فيما قام البعض الآخر برفع الدعاوى إلى المحاكم (هناك سبع قضايا اتهام ضد واينستين في بريطانيا وحدها).

السؤال الآخر الذي لا يمكن تجنبه هو: لماذا تركّزت كل الدعاوى والاتهامات على واينستين وحده قبل أن يبدأ بعض أركان جبل المؤسسات الضخمة بالتهاوي مع توسع وانتشار الاتهامات لتضم المخرجين جيمس توباك وبريت راتنر والممثلون جيرمي بيفن وداستن هوفمان وستيفن سبيسي (والانعطافة بالنسبة للأخير أنه كان يتحرّش بمراهقين أو ممثلين شبان).

ceffa4bc99.jpg
أنجلينا جولي إحدى الممثلات اللواتي اتهمن هارفي واينستين (رويترز)

واينستين، بالتأكيد، لم يكن المنتج الوحيد الذي يستغل منصبه في صناعة تدرّ المليارات وتجذب عشرات آلاف الطامحات والطامحين للعمل فيها، ومن المؤكد أن الكثيرين من أصحاب النفوذ في هذه الصناعة قادرون، من دون خوف، على استغلال مراكزهم وتحقيق شهواتهم ورغباتهم في حقل يلعب فيه الجمال البشريّ والإغواء والأهواء الجنسية أدوارا كبرى.

من المؤكد أيضاً أن الكثيرات من الراغبات في ركوب قطار الشهرة لن يترددن في عرض أجسادهن على أولئك النافذين، فدخول عالم السينما هو بطاقة كبرى لعبور الممثلة، بدورها، إلى عالم يوازي عالم المنتج والمخرج وقد يتفوق عليهما.

شهادات الممثلات العديدة تكشف أن المواهب التمثيلية لم تكن العنصر الوحيد في معادلة الصعود والشهرة، وواضح أن السكوت عن تحرّشات المنتج الشهير كان يفتح أمام الممثلة أبواب الشهرة والمال والنفوذ أيضاً، وهي معادلة تختلف عن أشكال التحرّش الأخرى، كونها تجعل الطرف الساكت في منزلة قد تجمع السكوت خوفاً مع انتهازية الراغبة في الصعود على درجات الشهرة.

سينما وسياسة
الانعطافة المثيرة الأخرى في قضية واينستين جرت مع وصول الاتهامات لأصحاب النفوذ من السياسيين، وذلك بعد وقوع الظاهرة تحت ضغط عشرات الملايين من البشر الذين شاركوا في وسم أو هاشتاغ “أنا أيضاً” (#Me Too) وبعد مشاركات قياسية في كل العالم تحكي كل واحدة منها قصة للتحرش كان لافتاً تصريح وزيرة الخارجية السويدية مارغوت فالشتروم، ضمن مشاركتها في ذلك الهاشتاغ بأن هناك تحرّشاً جنسياً في الأوساط السياسية العليا، وأنها “تعرّضت لذلك شخصياً”.

وفي بريطانيا أمرت رئيسة الوزراء تيريزا ماي بالتحقيق في زعم أن وزير الدولة للتجارة الدولية مارك غارنييه تحرش بسكرتيرته، وانتقل الجدل بعد ذلك لنائبها، والرجل الثاني في الحكومة، داميان غرين، الذي اتهمته أستاذة جامعية شابة بلمس ركبتها، وتبعت ذلك استقالة وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون بعد اتهامات له بينها واحدة من زميلة له في الحكومة.

095d4e0d47.jpg

المخرج رومان بولانسكي مطارد دوليا بتهمة ممارسة الجنس مع فتاة قاصرة عام 1977 (غيتي إيميجز)

كما علق حزب العمال المعارض عضوية النائب كلفن هوبكنز (76 عاما) على خلفية اتهامات طالت سلوكه تجاه شابة ناشطة في الحزب تدعى آفا اعتماد زاده، كما كتبت الصحف البريطانية تقارير تتهم 36 برلمانيا آخر بسلوكيات غير ملائمة. كما تحدّثت الأمم المتحدة عن تلقّيها عشرات الادعاءات بأشكال من التحرش الجنسي ضمن مؤسساتها.

الممثل البريطاني كينيث براناه اعتبر ما يحصل “جرس إنذار مروع جدا” وأن الأمر “أشبه بالتغيرات الهائلة”، وهو كلام يستشرف بالفعل الآفاق التي فتحتها الظاهرة التي تعلن أن تضامن المؤسسات الكبرى، سياسية كانت أم فنية، لحماية رموزها وأصحاب النفوذ فيها من انتهاكاتهم بحق النساء صار أمراً من الماضي، أو على الأقل، أصبح صعباً جداً مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي تجعل الجمهور قادراً على هزّ أركان السلطات بطرق غير مسبوقة رغم محاولة هذه السلطات، من دون جدوى، السيطرة على هذه الوسائل، أو استغلالها.

بحر الظلمات
تصاعد الظاهرة في الولايات المتحدة الأميركية، وانتشارها العالميّ، توقّف عند الحدود البحرية للمحيط الأطلسي (الذي سماه العرب “بحر الظلمات”)، ولم يشمل العالم العربي إلا بحدود تفاعل المتفاعلين على “تويتر” و”فيسبوك” وغيرها من وسائط التواصل، فلم نشهد ممثلة تدّعى على منتج أو مخرج، ولم نسمع، طبعاً، أحداً يدّعى على وزير دفاع أو حتى على عضو برلمان.

لا يتعلّق الأمر ببطش الأنظمة السياسية العربية فحسب، وهو كاف، بالطبع، لإخراس أي صوت قد يطال رموزها، من أكبرها إلى أصغرها، ولا بتبعيّة المؤسسات القضائية والتشريعية للأنظمة، بل كذلك بقيود الأعراف والتقاليد التي لن تكون أقل قسوة على من يكشفن أسرار الاعتداءات والانتهاكات التي تعرضن لها.

رغم كل ذلك فقد أدّى انكشاف بعض الوقائع الأمنيّة في بلدان عربية، للكشف عن العلاقة الشائكة بين حقلي السياسة والفن فيما يتعلّق بقضايا الاستغلال الجنسي، وأشهر هذه القضايا على الإطلاق هي قضية الشبكة التي كان رئيس جهاز المخابرات المصري الراحل صلاح نصر مسؤولا عنها.

كانت تلك الشبكة تمارس ضغوطا هائلة على الفنانات المصريّات، لاستغلالهن جنسيّاً في سبيل الحصول على معلومات أمنية، وقد تم تداول أسماء فنانات شهيرات جدّا، ولعل أكثر القصص المؤلمة ضمن هذا السياق هي قصة الممثلة سعاد حسني، وقد انتهت، كما هو معلوم، بوفاتها بطريقة غامضة في لندن.

تستشرف الظاهرة وتداعياتها، طورا جديداً في النظم السياسية الغربية، يرتبط بتطوّر المؤسسات ووسائل الإعلام وعلاقة الجمهور والمؤسسات بالديمقراطية المباشرة التي توفرها وسائل التواصل الاجتماعي وآفاق الانترنت الجديدة المفتوحة، وربما يرتبط أيضاً بطور جديد من العلاقات بين الذكورة والأنوثة، وما بينهما.

انت الان تتصفح خبر بعنوان فضيحة واينستين.. زلزال السينما والسياسة بالغرب ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا الجزيرة نت

This entry was posted in مشاهير. Bookmark the permalink.
[social-bio]

هل اعجبتك المقالة ؟ إنشرها الان على المواقع الاجتماعية

اترك تعليقاً